مفتش تربوي : التعليم عن بعد أحسن من التعليم الحضوري..من حق أبناء الشعب المغربي الاستفادة منه مجانا

مفتش تربوي : التعليم عن بعد أحسن من التعليم الحضوري..من حق أبناء الشعب المغربي الاستفادة منه مجانا

مفتش تربوي : التعليم عن بعد أحسن من التعليم الحضوري..من حق أبناء الشعب المغربي الاستفادة منه مجانا


حوار عبد الرزاق بن شريج ، الباحث التربوي و العضو المؤسس لنقابة مفتشي التعليم  مع جريدة بيان اليوم لعدد الثلاثاء 7 يوليوز 2020
حاوره الصحافي المقتدر عبد الصمد دندن

سؤال1= هل التعليم عن بعد يوازي التعليم المباشر من حيث الجودة ؟

جواب= في البداية يجب التدقيق في المراد بكلمة "تعليم"؛ إن كان المقصود هو تعليم أو إكساب معلومات مجردة، يمكن القول: نعم هناك تواز بين التعليمين الحضوري وعن بعد، إن لم نقل بأن التعليم عن بعد أحسن من التعليم الحضوري في بعض المواد. أما إن كنا نقصد ما تقدمه المدرسة، أي التربية والتكوين، فيمكن الجزم بأن التعليم الحضوري أفيد وأهم؛ لأنه يشتغل على التربية قبل التعليم أو التعلم.

سؤال2= إذا ما يسمى تعليما عن بعد المقدم من طرف وزارة التربية الوطنية ومؤسسات التعليم الخصوصي غير مجد؟
جواب= ما يعتبر تعليما عن بعد جاء نتيجة جائحة مفاجئة للعالم كله، والهدف الأسمى منه هو تطبيق الحجر الصحي، وعدم ترك المتعلمين عرضة للفراغ. وبالتالي فالقرار أصلا احترازي حفاظا على صحة المواطن، لأن مسألة التعليم والتعلم ليست أولى من الصحة، فمن لم يتعلم اليوم سيتعلم غدا، ولكن من مات لن يتعلم. وبالتالي الجودة هنا هي الحفاظ على صحة المواطنين والمواطنات، خاصة أن الصغار حركيون وعلينا شغلهم بما يفيدهم.

سؤال3= إذا كان الأمر كذلك، لم كثرة الحديث عن جودة التعليم عن بعد بالمؤسسات الخصوصية؟
جواب= ربما يتصور الآباء بما أنهم يؤدون ثمن تعليم أبنائهم، وبمنطق السوق أوالمقاولة، فهم يشترون سلعة بثمن معين، وإذا تغيرت السلعة أوتغيرت جودتها سيتغير الثمن، وبالتالي فلهم الحق في تقييم التعليم المقدم من طرف المؤسسة وتقدير ثمنه، ومن الناحية الأخرى تتصور المؤسسات أنها تقدم خدمة باتفاق مع وزارة التربية الوطنية وتنفذ ما يطلب منها من طرف الوزارة وبالتالي فالسلعة المقدمة (التعليم عن بعد) كانت بطلب من الوزارة وليس برغبة المؤسسة، والخلاصة بالنسبة للمؤسسات على الآباء محاسبة الوزارة، وهكذا استمر الصراع دون تدخل الحكومة التي اختارت خلق تعليم طبقي كشفت جائحة كورونا خطورته على أجيال المستقبل.

سؤال4= ما رأيكم في الصراع الدائر بين مؤسسات التعليم الخصوصي والآباء حول واجب التمدرس، بصفتكم مهتما ومتابعا للشأن التعليمي؟
جواب= الخلاصة الأساسية التي تستنتج من الصراع هو أن الحكومات المتعاقبة تشتغل على الآني واللحظي، ولم يكن لها تصور أو رؤية حول مآلات مجتمع الغد؛ تم التفكير بعقلية اقتصاد السوق حتى في القطاعات الاجتماعية، حيث احتضنت "مول الشكارة" للاستثمار في قطاع التربية والتكوين. وبعد أن عرت جائحة كورونا أخطاءها وبينت أن القطاعات الاجتماعية، مثل التعليم والصحة، من بين أسس الدولة المدنية، أخذت مسافة من المشكل وتركت المتصارعين في الحلبة دون حكم.

سؤال5= كيف يستقيم هذا الكلام ونحن نعلم أن وزارة التربية الوطنية عقدت لقاءات مع ممثلي المدارس الخصوصية وجمعية أباء وأولياء التلاميذ؟
جواب= أعرف ذلك، ولكن ما يهمني هو النتيجة، أو على الأقل درجة تدخل الحكومة ممثلة في وزارة التربية الوطنية، هل حلت المشكل؟ هل اتفقت مع الممثلين على حلول عملية؟
لقد تابعنا بلاغ جمعيات المدارس الخصوصية، وتصريح وزارة التربية الوطنية في هذا الشأن، وتابعنا حتى التعليمات التي توصلت بها الأكاديميات، لكن مازال الصراع قائما وسيبقى؛ لأن الأزمة مركبة ومعقدة وأكبر من وزارة التربية الوطنية. مع الإشارة إلى أن وزارة التربية الوطنية وجدت نفسها تناقش قضايا ليست من اختصاصها وهي أثمنة الدروس المقدمة عن بعد من طرف المؤسسات في حين الجانب المالي في العملية تتداخل فيه اختصاصات ثلاث وزارات (التشغيل، التربية الوطنية، والمالية).

سؤال6= هل يفهم من هذا أن وزارة التربية الوطنية لم تقدم حلولا مقبولة من الطرفين؟
جواب= أولا وزارة التربية الوطنية عقدت لقاء مع جمعيات المدارس الخصوصية وجمعيات أباء وأولياء تلاميذ المدارس العمومية، ولم تجتمع مع جمعية تمثل أباء وأولياء تلاميذ التعليم الخصوصي، وناقشت الشق التربوي والإداري، وهذا شق آخر من المشكل، لأن مؤسسات التعليم الخصوصي في الغالب لا تساعد على تأسيس جمعيات أولياء التلاميذ، ومن جهة أخرى الشق المالي الذي فجر الأزمة من اختصاص وزارة التشغيل ووزارة المالية، كما سبق ذكره، وبذلك أقول إن الحكومة لم ترد حل المشكل أوعلى الأقل عجزت عن حله.

سؤال7= ولكن حسب تصريح وزير التربية الوطنية في اجتماعه يوم الثلاثاء 30/6/2020 مع لجنة التعليم والثقافة والاتصال بمجلس النواب أكد أنه اتفق مع وزير المالية ووزير التشغيل على استفادة فئة من العاملين بالمدارس الخصوصية، أليس هذا حلا مقبولا؟
جواب= نعم، تابعت تصريح وزير التربية الوطنية في شريط منشور بمواقع التواصل الاجتماعي وعبر الواتساب، والذي يفهم منه أن الحكومة (وخاصة الوزارات الثلاث المعنية بالملف) ليس لها المعلومات الكافية حول مكونات وعناصر قطاعها، فهل من المعقول أن تضع كل مؤسسات التعليم الخصوص في اللائحة السلبية؟ وهل كان عليها أن تنتظر 3 أو 4 أشهر لتعرف أنها أخطأت التقدير، هل كانت وزارة التربية الوطنية تعتقد أن كل مؤسسات التعليم الخصوصي من صنف خمس نجوم ولم تعرف أنها ترخص لمنازل عادية لتحمل صفة مؤسسة خصوصية؟، هل المطلوب من الحكومة إيجاد حلول أم القيام بدور الوساطة بين الآباء والمؤسسات الخصوصية؟ علما أن المشكل في عمقه بين الحكومة وشريكها في التربية والتكوين.

سؤال8= لكن الملاحظ أن الصراع بين الآباء والمؤسسات مستمر، وكل طرف يعلن عن تشبثه بموقفه، بل وصل الأمر إلى المحاكم والإعلان عن الوقفات والإضرابات.
جواب= صحيح، لأن الموضوع معقد ومتشعب، قانونيا لا يوجد أي عقد بين الآباء والمؤسسات، باستثناء العقد الشفوي، ثانيا، القانون 00.05 والقانون 00.06 يخول لوزارة التربية الوطنية المراقبة الإدارية والتربوية، وعلاقة المؤسسة بمشغليها من اختصاص وزارة التشغيل (مدونة الشغل)، والجانب المالي من اختصاص وزارة المالية. وهكذا تفرق دم الضحية بين القبائل، والسيد وزير التربية الوطنية كان صريحا في هذه النقطة بالضبط حين قال: " هناك مشكل التنسيق بين القطاعات الحكومية، بين وزارة التشغيل ووزارة التربية الوطنية، وبالتالي من عليه أن يتحرك؟ وهذا هو المشكل"، وبالتالي وجدت الأسر نفسها في مواجهة المؤسسات، وفي غياب النصوص القانونية الصريحة التي يحتكم إليها كل متضرر سارع كل فريق إلى ملء الساحة والإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي بالتفسيرات الخاصة والمساندة لطرف على طرف، وحين تجد المؤسسات نفسها محاصرة ستلجأ لكل الحلول وكل الأساليب ونفس الشيء بالنسبة للآباء، والحكومة تتفرج.

سؤال9= من يتحمل مسؤولية هذا الصراع؟
جواب= دون شك التعليم خدمة عمومية، ومن حق أبناء الشعب المغربي الاستفادة منه مجانا، حسب الدستور، وقانون إلزامية التعليم وخاصة الفصل الأول منه (التعليم الأساسي حق وواجب لجميع الأطفال المغاربة ذكوراً وإناثاً البالغين 6 سنوات. تلتزم الدولة بتوفيره لهم مجاناً في أقرب مؤسسة تعليمية عمومية لمكان إقامتهم ....)، والقانون الإطار للتربية والتكوين، والمواثيق الدولية الخاصة بحقوق الطفل، ومؤسسات التعليم الخصوصي شريك الحكومة في ذلك، وبالتالي فهي تقدم خدمة عمومية، تخلت عنها الدولة وتحملت أعباءها الأسر، لكن هذه الشراكة غير واضحة المعالم، تم قبولها دون تمحيص لاستفادة الطرفين، استفادة المقاولين (المؤسسات الخصوصية) من الإعفاءات الضريبية والربح المضمون بحكم بيعها سلعة لا تبور، واستفادة خزينة الدولة من الضرائب المفروضة على الأجراء وعدم تحمل أعباء تعليم وتكوين عدد كبير من المتعلمين يقدر اليوم حسب آخر إحصائيات بمليون و46 ألف تلميذ وتلميذة، والتهرب من بناء 5 آلاف 828 مؤسسة تعليمية، وهو عدد المؤسسات الخصوصية. والمهم جدا في هذه النازلة والتي يجب أن نستخلصها من هذا الصراع أن نسبة 16% من تلاميذ المغرب (تلاميذ الخصوصي) خلقت الحدث، وتناقش حق الأبناء في تلقي تعليم جيد ولا تعترف بالتعليم عن بعد في حين 84%من التلاميذ (تلاميذ العمومي) راضية على الوضع ولم تتحرك لا الجمعيات ولا الأفراد، بل جمعية الآباء بالتعليم العمومي نصبت نفسها ممثلا لأبناء التعليم الخصوصي، ولم تتحرك فيما يخص أبناءها، وبناء على هذا الصراع يمكن استخلاص أن التعليم الطبقي يخلق طبقات متفاوتة في التفكير والتصور والموقف، إلخ.

سؤال10= ما رأيكم في مؤسسات التعليم الخصوصي التي ترفض تسليم شهادات المغادرة والوثائق الإدارية الخاصة بالتلاميذ للأباء الذين لم يؤدوا الواجبات المادية؟
جواب= القانون واضح، ليس من حق أي مؤسسة التحكم في وثائق متعلميها، الصراع بين الأب والمؤسسة وليس بينها وبين التلميذ، بالإضافة إلى أن حقه في التعليم مسؤولية الدولة وليست مسؤولية الأب فقط. ويمكن في هذا الباب الرجوع إلى قانون الإلزامية والدستور، وإلى المواثيق الدولية حول حقوق الطفل كما سبق ذكره.

سؤال11= ما هي مقترحاتكم لحل هذا النزاع؟
جواب= أن تتحمل الدولة مسؤوليتها وتصدر قانونا يأخذ بعين الاعتبار أن "التعليم خدمة عمومية غير قابلة للتسليع"، وتحرص على تصفية القطاع تدريجيا، وإلا فاستمرار الصراع سيتسبب في إفلاس قرابة 80% من مؤسسات التعليم الخصوصي باعتبارها مؤسسات صغيرة ومتوسطة، خاصة وأن المغرب يعرف أزمة مالية خانقة لأسباب كثيرة منها جائحة كورونا. فقد كان على الوزارة إيقاف كل المؤسسات وتوحيد أبناء الشعب على مصدر واحد للتعليم عن بعد، أي ما تقدمه الوزارة في القنوات والمسطحة فقط، واعتبار مؤسسات الخصوصي مقاولات توقفت عن العمل مثلها مثل باقي المقاولات، ومنها سيعرف المؤسسات الخصوصية التي تصرح بمستخدميها، وتتحمل المسؤولية في غير المصرح بهم، ويبقى الاختيار للآباء الذين يريدون تلقي دروس المؤسسات الخصوصية عن بعد باتفاقات خاصة، هذه فقط حلول مؤقتة لحل الأزمة حفاظا على ميزانية الدولة من البحث عن حلول لأبناء الشعب المغادرين للخصوصي والالتحاق بالعمومي بأعداد كبيرة جدا (حوالي مليون و46 ألف تلميذ وتلميذة) وما يتطلبه ذلك من حجرات ومؤسسات وأساتذة، إلخ.

والأهم هو استفادة الدروس من كورونا، واعتماد مدرسة موحدة لتكوين مجتمع موحد، لأن اختلاف مستويات التكوين بين أبناء الشعب ينتج طبقات متفاوتة في التفكير وفي فهم المواطنة والوطن، ونتمنى أن يأخذ المخطط التشريعي لتنزيل القانون الإطار- المقرر عرضه يوم 17 يوليوز المقبل أمام اللجنة الحكومية المكلفة بتنزيل القانون الإطار للتربية والتكوين- في اعتباره ذلك.
عبد الرزاق بن شريج
باحث تربوي

google-playkhamsatmostaqltradent