يتيم يكتب: التحول الرقمي في مغرب ما بعد كورونا

يتيم يكتب: التحول الرقمي في مغرب ما بعد كورونا


محمد يتيم

أعادت جائحة "كوفيد 19" مسألة التحول الرقمي إلى الواجهة، حيث أصبح من اللازم أن تعكف بلادنا على تفعيل طموح "المغرب الرقمي" وأن يكون هذا التحول دعامة من دعامات النموذج التنموي الجديد، فهذا التحول لم يصبح من الأولويات في يوم ما في جدول أعمال دولتنا ومجتمعنا كما هو عليه اليوم.

وعلى الرغم من المبادرات والإنجازات التي تحققت في هذا المجال، إلا أن مغرب ما بعد كورونا ينبغي أن يكون مغرب تسريع التحول الرقمي في جميع المجالات وخاصة في المجال التعليمي والتربوي باعتباره أحد الرافعات الأساسية التي لا تنمية بدون ربح رهان إصلاحها وتطوير منظومة التربية والتكوين .

     استراتيجية للتحول الرقمي في المغرب

 ومعلوم أن الحكومة المغربية قد وضعت إستراتجية تهدف إلى تحقيق التحول الرقمي في جميع المجالات، ومنها تطوير الإدارة وتسهيل التواصل مع المواطنين، وتبسيط المساطر وتسريع تنمية الاقتصاد الرقمي، وتحسين جودة حياة المقاولة وتسهيل الاستثمار  بتوفير بيئة رقمية مناسبة، وتحسين منافسة الاقتصاد الوطني وفاعلية قطاعاته والرفع من مردوديتها.

وفي هذا الصدد، تجدر الإشارة إلى أن وكالة  التنمية الرقمية كانت قد عقدت أول اجتماع لمجلسها الإداري بالرباط تحت رئاسة سعد الدين العثماني مطلع عام  2019  . وكان السيد رئيس الحكومة قد حدد الخطوط العريضة لبرنامجها  في تحقيق الحكومة الرقمية  من خلال  مجموعة من التدابير تهم رقمنة الإدارة وبناء منظومة رقمية للابتكار، ومنظومة متكاملة من التدابير اللازمة لرقمنة المقاولات الصغرى والمتوسطة، وعدد من الأنشطة الداعمة للمقاولات الناشئة وبرنامج للبحث في موضوع الذكاء الصناعي موجه للاستخدامات القطاعية  بهدف التنسيق حول موضوع البحث المطلوب اجراؤه من قبل المقاولات المبدعة او المقاولات المبتكرة والمؤسسات العمومية او الخاصة للتكوين.

مركز رقمي لتطوير رقمنة التربية والأعمال

كما تم إطلاق أول مركز رقمي تفاعلي بالمملكة المغربية موجه للتربية والأعمال، الهدف الرئيسي من إطلاقه يتمثل في إدماج التكنولوجيا والحلول المساعدة، لنقل ناجع للعمل في ميداني التربية والأعمال. 
ويعمل هذا المركز الرقمي التفاعلي الجديد، الذي تحتضنه جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية بمدينة "بن كرير"، على توفير التكنولوجيا والحلول والتطبيقات المتصلة بالواقعية الافتراضية المعززة اللازمة للتحول الرقمي المتنامي في القطاعات الأكاديمية والصناعية والتربية والتكوين المهني، وسيصبح أولى دعامات التربية الرقمية بالمغرب التي تسعى الى تنمية الابتكار وتطوير النظم الصناعية وتحسين نتائج الشباب المغاربة، رواد التغيير في المستقبل والابتكار بشراكة مع عدد من المتدخلين  ويعمل على صياغة  حلول ثلاثية الأبعاد داخل الجامعات والمدارس ومعاهد التكوين المهني، بالإضافة إلى الفضاء المهني، مما سيسهم في نقل المعارف في شتى ميادين التربية الرقمية.

كما سيمكن المركز من إرساء وتوطيد عروض التكوين في ما يتصل بالمجال الرقمي، واعتماد صيغ جديدة للتعلم الدامجة للواقعية الافتراضية والمعززة في الممارسات البيداغوجية. كما سيوفر المهارات اللازمة لتأهيل اليد العاملة المتخصصة في مهن المستقبل. 

أما على المستوى العملي فهناك عدة تجارب للرقمنة في عدة قطاعات ومجالات  تتفاوت في درجة تقدمها مثل  مجالات الإدارة  وخدمات الجماعات الترابية  والعدالة  وبعض المقاولات والمؤسسات العمومية والمحافظ العقارية وخدمات الحماية الاجتماعية والخدمات الجبائية وفي مجال الخدمات المالية البنكية وغير البنكية ، وفي مجال التربية والتعليم.

غير أن تلك تبقى تجارب محدودة كما اتضح من خلال جائحة كورونا، إذ أن  اللجوء إلى المنصات الرقمية كان لجوءا اضطراريا وغير شامل لمختلف القطاعات ناهيك عن ضعف في التكوين والثقافة الرقمية والمقاومة الطبيعية للتحول في الإدارات العمومية، كما أن اللجوء إلى المنصات الرقمية في مجال التربية والتعليم لم يكن شاملا ولم يطل منظومة التقويم والإشهاد وغيرها من جوانب تدبير العملية التربوية إداريا وتنظيميا ومناهجا وإنتاجا للحوامل التربوية والكتب الدراسية ناهيك عن ضعف أو غياب التكويم البيداغوجي للأساتذة فيما يتعلق ليس فقط بالجانب التقني بل بالخيارات البيداغوجية والديداكتية ذات الصلة بالمدرسة الرقمية والفصول الافتراضية .

لا تنمية بدون النهوض بالتعليم  ودمقرطته  ورقمنة التعليم رافعة لذلك 

لقد  كانت الإصلاحات الجذرية التي طالت النظام التعليمي الياباني مثلا منذ مرحلة مبكرة من أهم مداخل النهضة اليابانية الحديثة، حيث تم منذ عام 1890 إدخال تعديلات مهمة على نظام التعليم الياباني، بهدف تحويله إلى نظام عصري بالكامل، وعلى جميع مستويات الدراسة، وفتحت تباعا خمس جامعات أوكلت إليها كما أقرت منذ  سنة 1910  إلزامية التعليم “لجميع الأطفال ذكورا وإناثا، وارتفعت نسبة الطلاب بشكل بارز.

واستفادت التجربة اليابانية بالمخزون الثقافي القائم على النظام والانضباط حيث إن الانفتاح على التجربة التجارب والمدارس الغربية لم يكن على حساب الشخصية الوطنية.

كما أن أخد أسرار نجاح تجربة النمور الآسيوية، حين حققت الدول الأربع كوريا الجنوبية٬ هونج كونج٬ سنغافورة٬ وتايوان نهضة اقتصادية مذهلة بدأ العمل على إحداثها منذ الستينيات استنادا على نهضة تعليمية من خلال الاستثمار في الإنسان وتعليمه من جهة٬ ومن خلال خطط استراتيجية  بدأت في الستينيات بالمراحل الابتدائية وبعد ضمان تطويرها وتوسيع قاعدة المستفيدين ثم بالمرحلة الإعدادية والثانوية ثم الجامعية مما مكن من دمج قطاعات المجتمع المختلفة بشكل متدرج لكنه شامل في عملية تطوير التعليم.

لماذا الأولوية للتحول الرقمي في المجال التربوي؟

يمكن اعتبار التحول الرقمي هو الدعامة الأفقية اللازمة لكل مداخل النموذج التنموي الجديد في مختلف أبعادها السياسية والحقوقية والاقتصادية والاجتماعية، غير أن مدخل المداخل لهذا التحول هو التحول الرقمي في المجال التربوي،  للأسباب التالية:

-التحول الجيلي حيث إن الأجيال الصاعدة منذ نعومة أظفارها أجيال مندمجة عقليا واستعدادا مع التواصل الرقمي مما يجعلها ضعيفة التجاوب مع أنماط التواصل الاجتماعية التقليدية بما في ذلك أنماط التواصل والتعلم داخل المدارس التقليدية.

-الولوجية الواسعة للمغاربة للشبكة العنكبوتية وانخراطهم الواسع في وسائط التواصل الاجتماعي حيث تفيد تقارير متخصصة أن عدد الهواتف الذكية بالمغرب يتجاوز عدد السكان، ب 46 مليون، ما يجعل المغرب رائدا على المستوى الإفريقي في عدد الهواتف الذكية مقارنة بالساكنة، كما أن معدل تغلغل الهاتف النقال في المغرب يتجاوز 130.73 بالمئة، فيما المعدل الإفريقي مستقر عند 80 بالمئة.  كما أن نسبة تصل إلى 99.8 بالمائة من الأسر المغربية، سواء في المدن أو القرى، تتوفر على هاتف نقال، بالإضافة إلى توجه الفاعلين في مجال الاتصالات إلى توفير تكنولوجيا الجيل الخامس 5G. 

وتفيد تقارير أخرى أن 8 بالمائة من الأفارقة المتواجدين بمنصات التواصل الاجتماعية هم مغاربة، حيث يبلغ عددهم 17 مليونا يترددون على هذه المواقع، وبالأخص فايسبوك وانستغرام، بنسبة تغلغل 47 بالمئة مقارنة مع 17 بالمئة كمتوسط في القارة الافريقية. 

-تنصيص ال المادة 33 من القانون الإطاري للتعليم والتدريب إدماج "التعليم الإلكتروني" في النظام على التعميم التدريجي. وتعزيز الرقمنة في قطاع التعليم أمر أساسي لتحسين جودة التعلم وإعداد الشباب للتكيف مع احتياجات سوق العمل.

- تحول الرقمنة أداة أساسية في تدبير برامج الدعم الاجتماعي وسعي المغرب لبناء منظومة استهداف المستفيدين من برامج الدعم من خلال وضع قانون خاص بهذا الغرض وبإحداث وكالة وطنية للسجلات الاجتماعية وإحداث سجل اجتماعي موحد وسجل للسكن سيمكن من تحديد الفئات المستهدفة لتمكينها من الاستفادة من البرامج الاجتماعية قصد الاستفادة من برامج الدعم الاجتماعي التي تشرف عليها الإدارات العمومية والجماعات الترابية والهيئات العمومية، وذلك بناء على طلب يقدمه الشخص المصرح باسم الأسرة، ومعلوم أن من مجالات الاستهداف الأساسية ما يتعلق بدعم الولوجية وتكافِؤ الفرص فب مجال التربية والتعليم .

رقمنة التعليم فرصة لتعزيز تكافؤ الفرص في الولوج للتعليم والتكوين

إن التحول الرقمي في مجال التربية والتعليم هو أحد الحلول الأقل  لمسألة تكافؤ الفرص في مجال الوصول إلى هذا الحق الدستوري، ومدخلا للعدالة الاجتماعية وتقليص الفوارق المجالية والفوارق بين الفئات.

ومن دون شك فإن مجال التربية والتكوين هو من أكثر المجالات أهمية وأولوية في هذا التحول، باعتباره استثمارا  في الإنسان وتأهيلا للأجيال الجديدة لتعيش وتسهم في ذلك التحول، وباعتباره أحد أهم المداخل لتحقيق الولوج المتساوي للحق في التربية والتكوين باعتباره حقا دستوريا.

يمكن التحول الرقمي نحو المدرسة الرقمية إمكانية اعتماد أقسام افتراضية والتعليم عن بعد في المناطق النائية حيث تصعب الولوجية، ويمكن تبعا لذلك من اختصار جهد كبير سواء مستوى بناء التجهيزات الدراسية  أو توفير المدرسين أو بناء الأقسام الداخلية أو توفير النقل المدرسي أو الإيواء مع ما يجرحه ذلك من عوائق بالنسبة لتمدرس الفتاة القروية ، كما أنه مدخل من مداخل تعزيز حكامة تدبير الإصلاح التربوي المنشود.

ومعنى ذلك أنه سيتسنى اقتصاد كثير من الجهد والوقت والمال في مجال تدبير الإصلاح ، وقد أثبت تجربة الحجر الصحي التي ألجأت بطريقة قسرية اعتماد أسلوب العمل عن بعد ، والتعليم عن بعد ، وتقديم الخدمات عن بعد ، وحركية في المنصات التجارية أن التحول ممكن ، وأنه منتج وذو مردودية من الناحية الاقتصادية ، فضلا عما تمكن منه عدد من المنصات المتطورة في مجال الخدمات التعليمية والنهوض بالعملية التربوية بيداغوجيا وإداريا وتكوينا للمدرسين من إمكانات هائلة.

وحيث إنه ليس من الممكن أن نتصور قيام مدرسة أو أقسام افتراضية كاملة إلا في الحالات القصوي ، فإن اعتماد الرقمنة يمكن أن يوفر حوامل رقمية ميسورة الولوج ،  بل إنه يمكن أن يضع بين يدي التلميذ نماذج لدروس أنتجها أساتذة في أرقى  المدارس الوطنية والدولية.

لماذا لا يحول جزء من الدعم الاجتماعي للتمدرس لرقمنة التعليم؟

في هذا الصدد يتعين أن يوجه جانب من الدعم الاجتماعي في برنامج "تيسير"، وفي الجيل الجديد من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، إلى دعم التحول الرقمي من خلال تبني البرنامج مثلا لشعار "مليون لوح الكتروني"، و"مليون اشتراك مجاني في الشبكة العنكبونية"، ففي المدرسة الرقمية أو المرقمنة لن تكون هناك حاجة لمحفظة ومقلمة ودفاتر وأقلام جافة وأقلام حبر، وسننتقل من إنتاج الكتاب المدرسي إلى إنتاج حوامل تربوية رقمية جديدة، وفي الأجل المنظور تحميل النسخ الرقمية من الكتب الدراسية.

على سبيل الختم

قد يبدو الأمر طموحا زائدا عن الحد، ولكن جائحة كورونا قد كشفت عن طاقات كامنة في بلدنا، وأثبتت أن في مجتمعنا قدرات خلاقة، وكم من نقمة فيها نعمة، والتحولات الكبرى في تاريخ الأمم والشعوب تتحقق من الاستجابة للتحديات خلال الأزمات، والشرط الثقافي والاجتماعي اليوم من أجل إحداث نموذج تنموي قوامه تثمين الإمكان البشري وتحريره وبناء العدالة بين الفئات والجهات قائم والفرصة ماثلة قد لا تتكرر إذا ضيعناها.
google-playkhamsatmostaqltradent